من يزور هرجيسا بعد سماعه عن مقديشو سيُفاجأ فوراً بمدى اختلاف الأجواء. أرض الصومال، الإقليم الذي أعلن استقلاله من جانب واحد عام 1991 ولا يزال غير معترف به دولياً حتى اليوم، بنى لنفسه على مدى ثلاثة عقود نظاماً سياسياً واقتصادياً مستقراً نسبياً، وهرجيسا عاصمته هي أوضح تجسيد لهذا المسار المختلف.
خلافاً لجنوب الصومال، شهدت أرض الصومال منذ عام 2003 سلسلة انتخابات ديمقراطية وانتقالات سلمية للسلطة، في مسار وصفه محللون بأنه أنضج من كثير من الدول المعترف بها دولياً. هذا الاستقرار السياسي انعكس مباشرة على الحياة اليومية في هرجيسا: شوارع أهدأ، حركة اقتصادية نشطة، ومعدلات جريمة عنيفة منخفضة جداً ضد الزوار في العاصمة تحديداً.
أحد أكثر المشاهد تفرداً في هرجيسا هو أسواق الصرف المفتوحة في الشارع، القريبة من مسجد علي متان، حيث يجلس الصرافون خلف أكوام ضخمة من أوراق شلن أرض الصومال الملونة، في مشهد نادر عالمياً يعكس هشاشة النظام المصرفي الرسمي وابتكار السكان في التعامل معه، رغم أن معظم المعاملات اليومية تحوّلت اليوم إلى الدفع عبر الهاتف المحمول.
لكن السوق الأكثر أهمية اقتصادياً هو سوق الماشية في هرجيسا، أحد أكبر أسواق المواشي في القرن الأفريقي بأكمله إن لم يكن في العالم. هنا حقيقة تستحق التوقف عندها لأي زائر سعودي أو خليجي: نحو 98% من الأغنام والماعز، و85% من الجمال المصدَّرة من أرض الصومال، تذهب إلى المملكة العربية السعودية تحديداً، غالباً عبر ميناء بربرة، لتغطية جزء كبير من الطلب الموسمي في مواسم الحج وعيد الأضحى. بعبارة أخرى، الأضحية التي يذبحها كثير من الأسر السعودية قد تكون قطعت رحلتها من سوق الماشية هذا في هرجيسا. تشكّل الثروة الحيوانية نحو 80% من إيرادات صادرات أرض الصومال، بتصدير يقارب 4.2 مليون رأس من الأغنام والماعز والجمال والأبقار سنوياً.
ثقافياً، هرجيسا تحتفظ بهويتها الصومالية الأصيلة - اللغة والدين والعادات مشتركة مع بقية الصومال - لكنها طوّرت إحساساً واضحاً بالخصوصية السياسية، يتجلى في علمها ونشيدها وعملتها الخاصة، وفي فخر واضح لدى سكانها بتجربة الحكم الذاتي التي بنوها من الصفر بعد سنوات الحرب.
للزائر الخليجي، هرجيسا فرصة لرؤية صومال مختلف: أهدأ، أكثر تنظيماً، وأقرب إلى تجربة السفر التقليدية، مع الحفاظ على كل أصالة الثقافة الصومالية ودفئها.