لا تحتاج لمغادرة محيط باكو أكثر من ساعة لتجد نفسك أمام مشاهد لا علاقة لها بأفق المدينة الحديث: نقوش صخرية عمرها آلاف السنين، وبراكين طينية، وجبل يحترق بلا انقطاع منذ عقود. هاتان الوجهتان - غوبستان جنوباً، وشبه جزيرة أبشرون شمال شرق المدينة - تستحقان يوماً كاملاً منفصلاً لكل منهما، ويمكن الوصول إليهما بسهولة عبر تاكسي خاص أو جولة منظمة أو سيارة مستأجرة.
غوبستان: متحف مفتوح تحت السماء
تقع محمية غوبستان الوطنية على بعد نحو 60 إلى 67 كيلومتراً جنوب باكو، أي حوالي ساعة بالسيارة على طول ساحل قزوين. المكان مدرج على لائحة اليونسكو للتراث العالمي باسم "المشهد الثقافي لفن الصخور في غوبستان"، ويضم أكثر من 6000 نقش صخري، بعضها يعود إلى أكثر من 5000 عام، تصوّر حيوانات وأشكالاً بشرية ومشاهد طقوسية محفورة مباشرة على الصخر. ابدأ من المتحف الحديث عند مدخل الموقع الذي يقدم خلفية جيدة قبل التوجه إلى مسار المشي بين الصخور المنقوشة. خصص ساعة إلى ساعتين للتجول الفعلي بين النقوش. على بعد نحو 7 كيلومترات جنوباً باتجاه طريق ألات، تنتشر براكين غوبستان الطينية، وهي ظاهرة طبيعية تستحق التوقف: أذربيجان تضم أكثر من نصف براكين الطين في العالم، وتشكّل تلال طينية صغيرة تفور ببطء بفعل الغازات المحبوسة تحت الأرض. أضف إلى ذلك "الحجر الموسيقي" (غافال داش) الذي يصدر رنيناً معدنياً عند الطرق عليه، وهو من الغرائب المحلية التي يشير إليها الدليل السياحي في الموقع.
شبه جزيرة أبشرون: أرض النار
على الجهة المقابلة من المدينة، تحمل شبه جزيرة أبشرون لقب "أرض النار" بجدارة، بفضل موقعين لا يشبهان أي مكان آخر في المنطقة:
- يانار داغ (الجبل المشتعل)، في قرية مامدلي على بعد نحو 27 كيلومتراً من باكو، حيث يتصاعد لهب طبيعي مستمر من الغاز المتسرب عبر تلة كلسية، بارتفاع يصل إلى ثلاثة أمتار على امتداد نحو عشرة أمتار من التلة. اللهب يحترق ليل نهار دون انقطاع، وهو مشهد غريب يستحق المشاهدة عند الغسق حين يصبح أكثر وضوحاً.
- معبد آتشغاه، في قرية سوراخاني على بعد نحو 30 كيلومتراً من مركز باكو، وهو مجمع من القرن السابع عشر بُني فوق منافذ غاز طبيعي كانت تغذي شعلة دائمة، واستُخدم قديماً كموقع حج لعبدة النار من الزرادشتيين والهندوس والسيخ. المعبد مدرج على القائمة المؤقتة لليونسكو منذ عام 1998.
كيف تنظّم اليوم
غوبستان جنوب باكو، بينما يانار داغ وآتشغاه في الجهة الشمالية الشرقية باتجاه أبشرون - أي أن الوجهتين في اتجاهين متعاكسين تقريباً، ومن الصعب عملياً دمجهما في يوم واحد مريح. الأفضل تخصيص نصف يوم منفصل لكل منهما، أو يوم كامل لكل رحلة إذا أردت التمهل والاستمتاع دون استعجال.
نصائح عملية
- احجز تاكسي (عبر تطبيق Bolt مثلاً) أو جولة منظمة مسبقاً، فالمواقع ليست مخدومة بمواصلات عامة مباشرة من وسط المدينة.
- احمل ماءً وقبعة في الصيف، فالمواقع مكشوفة تماماً دون ظل يُذكر.
- الأحذية المسطحة المريحة ضرورية في غوبستان بسبب الأرضية الصخرية غير المستوية.
- الربيع والخريف (أبريل - مايو، سبتمبر - أكتوبر) هما أفضل وقت لهاتين الرحلتين، لتفادي حرارة الظهيرة الشديدة في الصيف.
كلتا الرحلتين تكشفان وجهاً مختلفاً تماماً لأذربيجان عن ذلك الذي تراه في شوارع باكو الحديثة - وجه أقدم بكثير، حيث تتحدث الأرض نفسها، سواء بنقش صخري صامت منذ آلاف السنين أو بلهب لا يهدأ منذ أن يتذكر أحد.
