قبل أن تصبح زرمات اسماً يتردد في كل قائمة "وجهات يجب زيارتها"، كانت قرية فلاحية معزولة يقطنها سكان يعيشون على الزراعة الجبلية وتربية الماشية، ولم يكن لديهم أي اهتمام بتسلق القمم المحيطة بهم. في الواقع، كان سكان الوادي في القرن الثامن عشر متدينين للغاية، ورأوا في تسلق الجبال أمراً لا طائل منه، بل إن بعضهم كان يعتقد أن قمة الماترهورن ملعونة، فقد فشلت كل المحاولات السابقة للوصول إلى قمتها.

نقطة التحول الحقيقية جاءت في 14 يوليو 1865، حين نجح فريق مكوّن من سبعة متسلقين، بقيادة البريطاني إدوارد ويمبر، في الوصول إلى قمة الماترهورن البالغ ارتفاعها 4478 متراً، عبر طريق نتوء هورنلي الذي لا يزال الطريق السويسري القياسي للتسلق حتى اليوم. ضم الفريق أيضاً اللورد فرانسيس دوغلاس، وتشارلز هدسون، ودوغلاس هادو، والمرشد ميشيل كروز، إضافة إلى مرشدين محليين من زرمات هما بيتر تاوغفالدر وابنه. لكن الفرحة لم تدم طويلاً؛ ففي طريق النزول انزلق هادو وسقط، جارّاً معه ثلاثة من رفاقه (دوغلاس وهدسون وكروز) في سقوط مأساوي أودى بحياتهم جميعاً، بينما نجا ويمبر وعائلة تاوغفالدر. هذا الحادث المأساوي، على الرغم من قسوته، وضع زرمات فوراً على خريطة العالم، وتحولت القرية الصغيرة في غضون عقود قليلة إلى عاصمة عالمية لتسلق الجبال والسياحة الجبلية.

اليوم، يمكن للزائر أن يلمس هذا التاريخ مباشرة في مقبرة صغيرة خلف الكنيسة الرئيسية في القرية، حيث تُوارى رفات عدد من المتسلقين الذين لقوا حتفهم في محاولاتهم غزو الماترهورن على مر السنين، وهي زاوية هادئة تحمل قدراً كبيراً من الرمزية. أما متحف الماترهورن، المعروف أيضاً باسم "زرمالانتيس"، فيعرض بشكل مباشر قطعة من الحبل الذي انقطع أثناء نزول فريق ويمبر عام 1865، إلى جانب معروضات أخرى توثق تطور رياضة تسلق الجبال في المنطقة وتحوّل زرمات من قرية زراعية إلى وجهة سياحية عالمية.

من الناحية المعمارية، لا تزال بعض معالم القرية القديمة قائمة، وأبرزها منازل حي هينترغرورف الخشبية الداكنة، المبنية على أعمدة حجرية دائرية الشكل صُممت خصيصاً لمنع الفئران والقوارض من الوصول إلى مخازن الحبوب والجبن فوقها، وهو أسلوب بناء تقليدي انتشر في عموم منطقة الألب السويسرية قبل قرون. يعكس هذا التناقض بين القرية القديمة الهادئة والبنية التحتية السياحية الحديثة جوهر ما يجعل زرمات مميزة: مكان استطاع أن يحافظ على هويته المحلية رغم تحوله إلى وجهة عالمية يزورها ملايين السياح سنوياً، بمن فيهم أعداد متزايدة من زوار الخليج والسعودية الباحثين عن تجربة جبلية أصيلة.