تتميز وهران، عروس البحر الغربية للجزائر، بمطبخ فريد تشكّل عبر قرون من التبادل مع إسبانيا القريبة، بحيث لا يشبه مطبخها بقية المدن الجزائرية رغم أنها تشترك معها في الهوية الوطنية. هذا التمازج الأندلسي الإسباني هو ما يجعل تذوق الطعام في وهران تجربة مختلفة تستحق مقالاً خاصاً بها.
الكارانتيكا: ملكة أكل الشارع في وهران
لا يمكن الحديث عن طعام وهران دون البدء بالكارانتيكا (وتُلفظ أيضاً "قرنتيطة" أو "كالنتيكا")، وهي فطيرة ذهبية اللون مصنوعة من دقيق الحمص والماء والزيت وقليل من الكمون، تُخبز حتى تصبح متماسكة من الأطراف وطرية من الداخل أشبه بالكاسترد. يعود اسمها إلى الكلمة الإسبانية "كالينتي" (ساخن)، وتقول الروايات المحلية إن أصلها يعود إلى طباخ إسباني اخترعها أثناء حصار قلعة سانتا كروز في القرن السادس عشر، مستخدماً ما توفر من دقيق الحمص لصنع وجبة سريعة ومشبعة. اليوم تُقطَّع الكارانتيكا إلى شرائح وتُقدَّم غالباً داخل الخبز الفرنسي مع الهريسة والمايونيز والبصل، وتُباع من عربات الشارع في كل حي من أحياء وهران بأسعار زهيدة جداً. أفضل وقت لتجربتها هو المساء عندما تفتح معظم العربات المتخصصة في وسط المدينة وحي المدينة الجديدة.
نكهة إسبانية بامتياز
موقع وهران القريب من الساحل الإسباني ترك بصمة عميقة في مطبخها، وهذا واضح في اعتمادها الكبير على المأكولات البحرية، وخاصة سمك السردين الطازج الذي يُقلى أو يُشوى بطرق بسيطة تُبرز نكهته الطبيعية. كما تنتشر في المدينة حلويات ذات جذور إسبانية وأندلسية واضحة، من بينها أنواع من الحلويات المقرمشة الشبيهة بالتشوروس، إلى جانب المكسرات المحمصة والمعجنات التقليدية التي تُباع في محلات صغيرة عمرها عقود.
المطبخ الأمازيغي والأندلسي والعثماني معاً
رغم الطابع الإسباني الغالب، فإن مطبخ وهران يظل جزائرياً في جوهره، إذ يجمع بين تأثيرات أمازيغية وأندلسية وعثمانية وعربية. يظهر ذلك في أطباق الكسكس المحلية، والحريرة الوهرانية التي تختلف قليلاً في توابلها عن نظيرتها الشرقية، وأطباق اللحم المطهو ببطء مع الخضار الجذرية في مواسم الشتاء.
أين تأكل في وهران
- حي المدينة الجديدة ووسط المدينة: يضم أكبر تجمع لعربات ومحلات الكارانتيكا وأكل الشارع، إلى جانب مقاهي عريقة تعود لحقبة الاستعمار الفرنسي.
- كورنيش وهران: يمتد على طول الواجهة البحرية بمطاعم مأكولات بحرية تطل مباشرة على المتوسط، مثالية لوجبة عشاء مسائية مع أجواء بحرية.
- حي الفرح والحي الإسباني القديم: يحتفظ بمخابز ومحلات حلويات تقليدية تعود بعضها لعقود طويلة، وتستحق التوقف عندها لتجربة الحلويات المحلية.
نصائح عملية
- الكارانتيكا وجبة رخيصة جداً، وغالباً ما تكفي شريحة واحدة داخل ساندويتش لوجبة خفيفة كاملة.
- تجنّب تجربتها في منتصف النهار في حر الصيف، فبعض العربات تُفضّل الخبز في المساء عندما يبرد الجو.
- المطاعم على الكورنيش أغلى نسبياً من وسط المدينة، وتُناسب من يبحث عن أجواء أكثر رسمية.
- ينصح بحمل نقود نقدية دائماً، فمعظم عربات وأكشاك الشارع لا تتعامل بالبطاقات.
- إذا كنت من محبي المأكولات البحرية، اطلب السردين المشوي الطازج، فهو من أكثر الأطباق شعبية بين سكان وهران أنفسهم.
وهران مدينة يمكن اختصار زيارتها في جملة واحدة: امشِ في شوارعها واتبع رائحة الكارانتيكا والسردين المشوي، فهي الطريق الأقصر لفهم روح "الباهية" الحقيقية.
💬 التعليقات
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك تجربته!