لا يمكن فهم سحر لوسيرن دون معرفة الطبقات التاريخية التي شكّلت وجهها الحالي، بدءاً من دير صغير في القرن الثامن حتى مدينة سياحية عالمية اليوم.
من دير القديس ليوديغار إلى مدينة الاتحاد السويسري
نشأت لوسيرن كمستوطنة ديرية تحمل اسم القديس ليوديغار (St. Leodegar) تأسست في منتصف القرن الثامن الميلادي على ضفاف بحيرة لوسيرن عند مصب نهر رويس (Reuss). تطورت المستوطنة تدريجياً حتى نالت اسم "مدينة لوسيرن" رسمياً في القرن الثاني عشر، وتأثرت واجهات مبانيها بأساليب معمارية أوروبية متعاقبة تمتد من الطراز الكلاسيكي إلى القوطي الحديث والباروك الحديث، وهو ما يفسر التنوع الجمالي الملحوظ اليوم في واجهات البلدة القديمة الملونة. المحطة المفصلية في تاريخ المدينة كانت انضمامها إلى الاتحاد الكونفدرالي السويسري عام 1332، ما دفعها لبناء تحصينات دفاعية قوية.
سور موسيغ: أفضل سور دفاعي محفوظ في سويسرا
بُني سور موسيغ (Museggmauer) في أواخر القرن الرابع عشر كجزء من منظومة تحصين المدينة بعد انضمامها للاتحاد السويسري، ليحمي عدد سكانها المتنامي وطرق تجارتها في زمن كثرت فيه النزاعات والتحالفات المتغيرة بين الكانتونات والقوى المجاورة. يمتد السور لأكثر من 600 متر وكان يتألف من حلقتين من الاستحكامات: حلقة داخلية تضم سور المدينة عند Löwengraben وHirschengraben إضافة إلى جسري كابيلبروكه وشبروير، وحلقة خارجية على تلة رملية مرتفعة في الجزء الشرقي من البلدة القديمة على الضفة اليمنى لنهر رويس. يضم السور تسعة أبراج مضاءة ليلاً، ويمكن للزوار اليوم المشي فوق أجزاء منه مجاناً والتمتع بإطلالة بانورامية على أسطح البلدة القديمة والبحيرة والجبال المحيطة، ما يجعله من أفضل الأنشطة المجانية في لوسيرن.
جسر الكنيسة (كابيلبروكه) وبرج الماء
يعتبر جسر كابيلبروكه (Kapellbrücke) الخشبي المسقوف، الذي يُرجَّح بناؤه عام 1333، من أقدم الجسور الخشبية المسقوفة في أوروبا وأشهر معالم لوسيرن على الإطلاق، إذ يمتد بشكل قطري فوق نهر رويس مقترناً ببرج الماء الحجري الدائري المجاور له والذي استُخدم تاريخياً كسجن وخزانة وأرشيف للمدينة. كان الجسر يحتضن أصلاً 111 لوحة مثلثية مرسومة داخل سقفه تصور مشاهد من تاريخ سويسرا وحياة قديسين محليين، لكن حريقاً مدمراً اندلع فجر 18 أغسطس 1993 - يُعتقد أن سببه عقب سيجارة أُلقي في قارب راسٍ تحت الجسر - التهم ثلثي هيكل الجسر ودمّر 86 لوحة من أصل 111 كلياً أو جزئياً، ولم ينجُ سوى رأسي الجسر وبرج الماء. أعيد بناء الجسر بسرعة قياسية خلال ثمانية أشهر فقط، وأُعيد افتتاحه في 14 أبريل 1994 بهيئته الحالية التي يراها الزوار اليوم.
تمثال الأسد: أحزن حجر في العالم
على بعد دقائق سيراً من البلدة القديمة، يقع نصب الأسد (Löwendenkmal) المنحوت مباشرة في صخرة طبيعية، وهو من تصميم النحات الدنماركي الشهير برتل ثورفالدسن وتنفيذ النحات المحلي لوكاس أهورن بين عامي 1820 و1821. يخلّد النصب ذكرى مئات جنود الحرس السويسري الذين لقوا حتفهم عام 1792 أثناء دفاعهم عن قصر التويلري في باريس في خضم أحداث الثورة الفرنسية، ويظهر أسداً محتضراً يتّكئ على درع يحمل شعار فرنسا الملكي، وتعلوه عبارة لاتينية تكريمية تعني "لإخلاص وشجاعة السويسريين". وصف الكاتب الأمريكي مارك توين هذا النصب بأنه "أحزن وأكثر الأحجار المؤثرة في العالم"، وهو اليوم أحد أكثر معالم لوسيرن زيارة بعد جسر الكنيسة مباشرة.
التجول في البلدة القديمة
تكتمل الصورة بالتجول بين أزقة البلدة القديمة الضيقة المرصوفة، حيث تصطف واجهات المنازل المزينة بلوحات جدارية ملونة تعود لعصر النهضة تصور مشاهد دينية وتاريخية وحرفية، وتتوسطها ساحات مثل Kornmarkt وWeinmarkt التي كانت أسواقاً تجارية حيوية منذ العصور الوسطى وما زالت تحتضن اليوم المقاهي والمطاعم.
💬 التعليقات
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك تجربته!